الشيخ محمد الصادقي الطهراني
268
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
الولادات . « إِنَّهُ حَمِيدٌ » في رحمته وبركاته « مجيد » في عطياته . فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ ( 74 ) إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ ( 75 ) . هنا « يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ » إذ بشر بعذابهم من « أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ » وقد تعني هذه المجادلة غير المجادلة ، استرحام الاستعفاء عن هؤلاء المجرمين ، علّهم يتوبون ويثوبون إلى ربهم « إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ » في خلقه « أوّاه » : كثير الرجوع إلى ربه « منيب » إليه عما ربما يخطأ كمثل هذه المجادلة الملتجأة غير الملجأة . فالحليم الذي يحتمل أسباب الغضب وموجباته فيصبر ويتأنى ولا يثور ، وهو يحتمل أن شفاعته عند ربه تفيد ، والأوّاه : الذي يتضرع في دعاءه واستدعائه ، يستدعي ربه متضرعا علّه يجيبه ، والمنيب : المسرع إلى ربه مختجلا مما قصر أو قصّر علّه يعفو عنه ، هذا الحليم الأوّاه المنيب أخذ « يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ » ومثلث المواصفات الجميلة مما يدل على أن هذه المجادلة لم تكن مجالدة ، وإنما هي استبقاء إياهم إن أمكن . يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ ( 76 ) . « أَعْرِضْ عَنْ هذا » الأمر ، ل « إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ » المحتوم بعذابهم ، أمرا غير مردود ، ثم « وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ » إذ « لا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الُمجْرِمِينَ » ( 6 : 147 ) « 1 » .
--> ( 1 ) . البحار 12 : 163 عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال : لما جاءت الملائكة في هلاك - / قوم لوط مضوا حتى أتوا لوطا وهو في زراعة له قرب المدينة فسلموا عليه فلما رآهم رأى هيئته حسنة وعليهم ثياب بيض وعمائم بيض فقال لهم : المنزل ؟ قالوا : نعم ، فتقدمهم ومشوا خلفه فندم على عرضه عليهم المنزل فالتفت إليهم فقال : انكم تأتون شرار خلق اللّه وكان جبرئيل قال اللّه له : لا تعذبهم حتى يشهد عليهم ثلاث شهادات ، فقال جبرئيل : هذه واحدة ، ثم مشى ساعة فقال : إنكم تأتون شرار خلق اللّه فقال جبرئيل : هذه ثنتان ، ثم مشى فلما بلغ باب المدينة التفت إليهم فقال : إنكم تأتون شرار خلق اللّه ، فقال جبرئيل : هذه ثلاث ثم دخل ودخلوا معه منزله فلما بصر بهم امرأته أبصرت هيئته حسنة فصعدت فوق السطح فصفقت فلم يسمعوا فدخنت فلما رأوا الدخان أقبلوا يهرعون إليه حتى وقفوا بالباب فقال لوط : « فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي » ثم كابروه حتى دخلوا عليه قال : فصاح جبرئيل يا لوط دعهم يدخلوا ، قال : فدخلوا فأهوى جبرئيل إصبعيه وهو قوله : فطمسنا أعينهم ثم قال جبرئيل : « إنا رسل ربنا لن يصلوا إليك »